جميل ضاهر
الشهر الخامس من عام ألفين واثنين كانت المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي أرض الخليج، في مطار دبي لفحتني الحرارة المنبعثة من البوابة التي توصلك إلى المدينة "المدهشة"، كان بانتظاري سائق من التابعية الهندية يحمل اسمي وأسعدني ذلك، رأيت فيه دلالة على نظام الأشياء، الغرفة محجوزة وتوجد بعض المقبلات وورود وفاكهة، وهذه إشارة أخرى إلى حسن الضيافة، فأنا قادم من أوروبا (لندن) عائد مع الشركة التي أعمل فيها منذ أكثر من تسع سنوات في مدينة الضباب، ها نحن نعود الآن إلى الوطن من الناحية "العروبية".
في اليوم التالي كانت الرحلة الأولى من وسط دبي إلى المدينة الإعلامية، صرح جميل وأشجار نخيل تحيط بالمكان ونظافة مفرطة في كل ما يحيط بك، خاصة دورات المياه، فهناك من يشرف على نظافتها بعد أية فكرة لدخولها، بعد هذه الخطوة اكتشفنا المطاعم العربية التي تساهم بشكل كبير في جعلك (مترامي الأطراف) إذا لم تتوقف فورا عن الأكل، فالأرز واللحوم على أنواعها وأسماء المطاعم اللبناية والسورية واليمنية المنتشرة إلى يمين الشوراع الرئيسة في دبي ويسارها تقدم الأطعمه من دون الدخول في تفاصيلها، لكنني لم أتوقع أن أجد الأكلة المفضلة لدي بحذافيرها إنها (الكشك) أكلة تمنحك وحدات حرارية بلا حدود، كانت من ضمن "منيو" القرى الجبلية في لبنان، رخيصة الثمن متوفرة، تطبخ مع اللحوم المملحة والمحفوظة بالدهون (القاورما).
دبي آنذاك تشبه الكريم "طائية" في يوميتها، فيها مكان لكل الوافدين إليها من المسكن والمأكل والملبس، على الأقل لصحفي مثلي ليس له أي منصب آخر، كانت دبي في تلك السنة تستعد لدخول المراحل المتقدمة من تنفيذ مشاريعها العمرانية، جسور ومدن وأشجار وفنادق ضخمة وعمارات شاهقة، المفاجأت لغة دبي اليومية، الجسور تمر من فوق رأسك دونما انتباه! الشرطة مدهشة أيضا، غير مرتشية كما في العرف في الدول العربية وجاهزة لإحقاق الحق، الاتصالات (روعة)، الخدمات في المباني مذهلة، والكلمة القادمة عبر الهاتف: شكرا لاتصالك، كانت تهدئ من أي انفعال لتأخر في معاملة.
دبي 2008: قاسية، كبيرة، لا تعرفك إلا في حدود قدرتك المادية على مواجهتها، الأرقام لا تعني شيئا، حسابات لا دخل لك فيها، وسعت الأماكن وضاقت الطرقات، المخالفات تلاحقك في كل مكان، وتهديدات أصحاب العقارات تحمل لك الخوف من الطرد في أية لحظة من مسكنك، بإمكانك أن تشتكي لكن بمجرد أن يقول المالك أريد الشقة لاستعمال شخصي يسقط حقك فيها.
شركات يديرها متخصصون في الاستلاء على مداخيلك، فاتورة الكهرباء تخمينية، وفاتورة التبريد حدث ولا حرج، موقف السيارة، الورشة كبيرة ونحن ندفع جزءا منها إما من التحويلات المرورية اليومية الني تؤدي أحيانا إلى حوادث مميتة، أو من ناحية تنشق الغبار على مدار الساعة، أو تقديم بعض من ساعات نومك فداء للمشاريع التي تنشأ إلى جانب العمارة التي تسكنها بإيجار خيالي، طويلة اللائحة، ولكن مرة ثانية في دبي ميديا ستي عليك بالحضور قبل توقيت عملك بساعات لتجد موقفًا لسيارتك وإلا بانتظارك مخالفة، المواقف متوفرة في حال الدفع فقط.
صورة دبي الكريمة تتلاشى من أمامي ودبي الصارمة تخيفني! عله موسم الهجرة
إلى الجنوب بات وشيكا.
* خاص بموقع "العربية.نت" |
